الرئيسية » أخبار » الملك محمد السادس يرسم ملامح مغرب جديد لا مكان فيه لوطن يسير بسرعتين

الملك محمد السادس يرسم ملامح مغرب جديد لا مكان فيه لوطن يسير بسرعتين

في خطاب سامٍ مشحون بالرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج، جدد الملك محمد السادس، مساء الثلاثاء 29 يوليوز 2025، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، التأكيد على التزامه الراسخ ببناء مغرب صاعد، عادل في توزيع ثرواته، منفتح على محيطه الجهوي، ومتحرر من المقاربات التنموية البالية التي خلقت فجوة بين مناطق تتقدم بثبات وأخرى ما تزال عالقة في براثن التهميش.
بين التقدم الاقتصادي والعدالة الاجتماعية… التحدي مستمر
الخطاب الملكي لم يكن مجرد استعراض لإنجازات العقدين ونصف من الحكم، بل كان مراجعة صريحة لمسار تنموي متقاطع بين طموحات اقتصادية صاعدة وتحديات اجتماعية مقلقة.
فأمام ارتفاع مؤشرات النمو بنسبة 3,8% سنة 2024، وانطلاق مشاريع ضخمة كالقطار فائق السرعة نحو مراكش، وسدود استراتيجية للأمن المائي، سجل جلالة الملك، في المقابل، قلقه من استمرار الفوارق المجالية وحرمان بعض المناطق من أبسط البنيات الأساسية، معتبرا أن “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”.

الرسالة كانت واضحة: النجاح الاقتصادي لا يكتمل دون عدالة اجتماعية، والتنمية لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات والبنيات، بل بمدى تأثيرها المباشر على حياة المواطن البسيط في الجبل والبادية قبل المدينة والمركز.

خارطة طريق جديدة: نحو تنمية ترابية مندمجة
جاء الخطاب هذه السنة مشبعًا بالتوجيهات العملية للحكومة والفاعلين المحليين، حيث دعا الملك محمد السادس إلى اعتماد “جيل جديد من البرامج التنموية الترابية”، يقوم على تثمين المؤهلات الجهوية، وتحقيق العدالة في الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم، وتوفير شروط حقيقية للتشغيل، لا سيما لفائدة الشباب.
لم يكتف الخطاب بإدانة الفوارق، بل وضع حلولًا ملموسة للتصحيح، من خلال مقاربة تنموية جديدة ومندمجة تتجاوز البعد القطاعي والإحساني، نحو رؤية شاملة تستثمر في الإنسان والمجال، وتراهن على الجماعات المحلية باعتبارها شريكًا لا مُنفّذًا فقط.
إصلاح سياسي انتخابي على الأبواب
في خطوة استباقية، أعلن الملك محمد السادس عن إعطاء توجيهاته لوزير الداخلية من أجل الإعداد الجيد للانتخابات التشريعية المقبلة سنة 2026، وفتح باب المشاورات السياسية حول المنظومة القانونية المؤطرة لها، مطالبًا بأن تكون جاهزة قبل نهاية السنة الحالية، ما يعكس حرص المؤسسة الملكية على توفير مناخ شفاف ومسؤول للمحطة الانتخابية، وتهيئة الساحة السياسية لتجديد التعاقد المؤسساتي مع المواطن.
اليد الممدودة إلى الجزائر… من جديد
وعلى الصعيد الإقليمي، جدد الملك موقفه الثابت إزاء العلاقة مع الجزائر، مؤكدًا أن المغرب يمد اليد دائمًا لإخوانه الجزائريين من منطلق الروابط التاريخية والدينية واللغوية، ومجددًا الدعوة إلى “حوار أخوي وصادق” لحل القضايا العالقة، في وقت يعيش فيه الاتحاد المغاربي حالة جمود غير مبرر.
هذا الموقف، الذي أصبح ثابتا في خطابات العرش الأخيرة، يحمل في طياته إصرارًا مغربيًا على تجاوز الخلافات المصطنعة، وتذكيرًا بأهمية البناء المشترك لمغرب عربي قوي وفاعل في محيطه الإفريقي والدولي.
قضية الصحراء… التأييد الدولي في تصاعد
الخطاب الملكي أشار أيضًا إلى التقدم الدبلوماسي اللافت الذي تحققه المملكة في ملف الصحراء، وخاصة من خلال الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي من طرف دول كبرى مثل بريطانيا والبرتغال، ما يعزز الطرح المغربي كحل واقعي وذي مصداقية.
وأكد الملك أن المغرب يظل حريصًا على حل سياسي توافقي “لا غالب فيه ولا مغلوب”، يحفظ ماء وجه جميع الأطراف ويضمن استقرار المنطقة.
ختام على نغمة الوحدة والتعبئة
الملك محمد السادس، وفي ختام خطابه، استحضر الأرواح الطاهرة لأسلافه الميامين، ووجه تحية إشادة إلى كل القوى الأمنية والمدنية والعسكرية التي تسهر على أمن البلاد، داعيًا كافة المغاربة إلى التعبئة الشاملة لتنزيل المشاريع الملكية الكبرى، والتفاعل الإيجابي مع التحولات الجارية، لما فيه خير البلاد وصون وحدتها ومكتسباتها.
إنه خطاب واقعي، شفاف، ومشحون بالأمل والمسؤولية، يحدد سقف الطموحات، ويرسم خارطة طريق دقيقة لمغرب لا يُريد فقط أن يتقدم، بل أن يتقدم مع الجميع ولأجل الجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *