موجة غلاء جديدة تلهب جيوب المغاربة

لم يعد الغلاء في المغرب يقتصر على اللحوم الحمراء أو الدجاج أو الخضر والفواكه، بل امتد اليوم إلى أحد أكثر المنتجات ارتباطا بالمائدة الشعبية، بعدما سجلت أسعار السردين، صباح الأربعاء، قفزة جديدة بالعديد من أسواق مدينة الدار البيضاء، حيث تراوح ثمن الكيلوغرام الواحد بين 20 و25 درهما، في ارتفاع اعتبره المواطنون غير مبرر، بالنظر إلى مكانة هذا المنتوج باعتباره الغذاء الأكثر استهلاكا لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
هذا الارتفاع المفاجئ أعاد إلى الواجهة سؤالا ظل يتكرر مع كل موجة غلاء: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟ ولماذا أصبحت المواد الأساسية تخضع لتقلبات حادة دون وجود آليات ناجعة للتدخل وضبط الأسواق؟
وأكد عدد من المهنيين أن أسعار السردين ارتفعت بشكل لافت خلال الأيام الأخيرة، في وقت شهدت فيه أسعار الدجاج تراجعا نسبيا، وهو ما زاد من استغراب المستهلكين الذين وجدوا أنفسهم أمام مفارقة غير مفهومة، بعدما تحول “سمك الفقراء” إلى منتوج يصعب اقتناؤه بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.
وأصبح كثير من الأسر يضطر إلى تقليص استهلاكه أو الاستغناء عن السردين نهائيا، بعدما كان يمثل بديلا غذائيا منخفض التكلفة مقارنة باللحوم والأسماك الأخرى. وهو ما يعكس، بحسب متابعين، اتساع دائرة الغلاء لتشمل مواد كانت إلى وقت قريب تشكل صمام أمان للأسر ذات الدخل المحدود.
ويرجع بعض المهنيين هذه الزيادات إلى الظروف المناخية غير المواتية التي أثرت على نشاط الصيد البحري، غير أن هذا التفسير لا يقنع الجميع، خاصة في ظل تكرار سيناريو الارتفاعات مع كل موسم، وغياب معطيات رسمية دقيقة تشرح للرأي العام أسباب اضطراب الأسعار، وحجم تأثير العرض والطلب، ودور الوسطاء وسلاسل التوزيع في تحديد أثمنة البيع للمستهلك النهائي.

ويرى متابعون أن الإشكال لا يرتبط فقط بالعوامل الطبيعية، بل يكشف أيضا عن اختلالات بنيوية في منظومة تسويق المنتجات البحرية، حيث تتعدد حلقات الوساطة بين الميناء والسوق، ما يساهم في رفع الأسعار بشكل يفوق أحيانا الزيادات المسجلة عند مصدر الإنتاج، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف التي تتحمل كلفة هذه الاختلالات.

وتأتي هذه الزيادة في سياق اقتصادي يتسم باستمرار الضغوط على القدرة الشرائية، بعدما شهدت أسعار عدد من المواد الأساسية خلال الأشهر الأخيرة تقلبات متتالية، الأمر الذي عمق الشعور لدى المواطنين بأن موجة الغلاء أصبحت واقعا دائما، لا استثناء ظرفيا.

وفي ظل هذا الوضع، تتجدد الدعوات إلى تعزيز آليات مراقبة الأسواق، والرفع من شفافية مسالك توزيع المنتجات البحرية، ومحاربة كل أشكال الاحتكار والمضاربة، مع توفير معطيات رسمية تفسر للرأي العام أسباب تغير الأسعار، حتى لا يبقى المواطن رهينة الإشاعات أو التفسيرات المتضاربة.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف تحول السردين، الذي ظل لعقود يوصف بـ”سمك الفقراء”، إلى سلعة تقترب أسعارها من منتجات كانت تعد حكرا على أصحاب الدخل المرتفع؟ وهل يتعلق الأمر بظرفية مؤقتة مرتبطة بالإنتاج والطقس، أم أن الأمر يعكس أزمة أعمق في تدبير أسواق المواد الغذائية الأساسية، تستوجب تدخلا عاجلا لحماية القدرة الشرائية وضمان حق المواطنين في الولوج إلى غذاء بأسعار معقولة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.