الانتخابات المهنية 2026… هل آن أوان لإعادة ترتيب أولويات الحوار الاجتماعي؟
بقلم: محمد المعاشي (…)
“بين المطالب الآنية والإصلاحات البنيوية… هل آن الأوان لأن يصبح تقنين المسار المهني أحد أولويات الحوار الاجتماعي؟”
تدخل الانتخابات المهنية لسنة 2026 مراحلها الحاسمة، ويستعد ممثلو الأجراء لاختتام ولايتهم الانتخابية، في الوقت الذي يتهيأ فيه المترشحون الجدد لعرض برامجهم الانتخابية على الأجراء قصد نيل ثقتهم وتمثيلهم خلال السنوات المقبلة. ومع كل استحقاق مهني، تعود إلى واجهة النقاش حصيلة ما تحقق من مطالب اجتماعية وما تعذر تحقيقه، كما تتجدد المطالب المرتبطة بالأجور، والتعويضات، والحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل، وغيرها من القضايا التي أفرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وما صاحبها من تراجع في القدرة الشرائية وارتفاع مستمر في كلفة المعيشة.
غير أن الوقوف عند حصيلة هذه المطالب يثير سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل انشغل الحوار الاجتماعي، على المستوى القطاعي وداخل المقاولات، خلال السنوات الماضية، بمعالجة المطالب الآنية التي يفرضها الواقع اليومي أكثر من انشغاله ببناء القواعد المؤسستية التي تنظم الحياة المهنية للأجير على المدى البعيد؟
وإذا كان الجواب عن هذا السؤال يقتضي نقاشا هادئا وموضوعيا، فإن من المشروع أن نتساءل: كيف ظل تقنين المسار المهني، رغم ما يمثله من ركيزة للشفافية، والاستحقاق، وحكامة الموارد البشرية، غائبا عن أولويات الحوار الاجتماعي على المستوى القطاعي وداخل المقاولات؟ وكيف لم يتحول، إلى اليوم، إلى ورش تفاوضي دائم، وهو الذي يؤطر الترقية، والتكوين، والتنقل، وتقييم الأداء، وتحمل المسؤوليات، ويحدد، في نهاية المطاف، مسار الأجير داخل المؤسسة؟
ولا يراد من هذا التساؤل التقليل من أهمية الملفات التي تصدرت جولات الحوار الاجتماعي على المستوى القطاعي وداخل المقاولات، ولا الانتقاص من الجهود التي بذلتها مختلف الأطراف، وإنما الدعوة إلى إعادة قراءة أولويات هذا الحوار، لأن بعض الملفات التي أصبحت تشكل ثوابت في الأجندة التفاوضية، وفي مقدمتها الأجور، وتحسين ظروف العمل، والحماية الاجتماعية، يمكن أن تشكل، إذا أحسن استثمارها، مدخلا لإدراج تقنين المسار المهني ضمن الأوراش البنيوية التي تستحق أن تحظى بنقاش مؤسساتي جاد.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا الورش، أن آثاره لا تتوقف عند الحياة المهنية للأجير، بل تمتد إلى مرحلة التقاعد، بحيث كثير من الأجراء ينشغلون، طيلة سنوات عملهم، بأجرهم الشهري ومتطلبات حياتهم اليومية، ثم يفاجؤون، عند الإحالة على التقاعد، بمعاش لا يرقى إلى مستوى ما كانوا يتطلعون إليه، في حين يرتبط جانب من هذا الواقع، في كثير من الأحيان، بمسار مهني لم تتح له فرصة التطور وفق قواعد واضحة ومستقرة.
وليس هذا الاستنتاج مجرد تصور نظري، وإنما هو خلاصة تجربة مهنية امتدت سنوات طويلة، عايشت خلالها حالات عديدة لأجراء اكتشفوا، بعد إحالتهم على التقاعد، أن المسار المهني لم يكن يؤثر فقط في ترقيتهم وأجورهم، بل كان له أثر مباشر في مستوى معاشاتهم أيضا.
ومن هنا، لا يهدف هذا المقال إلى تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، بقدر ما يسعى إلى فتح نقاش ظل غائبا أكثر مما ينبغي: هل آن الأوان لأن ينتقل الحوار الاجتماعي من التفاوض حول النتائج إلى التفاوض حول القواعد التي تصنع تلك النتائج؟ وهل تشكل الانتخابات المهنية لسنة 2026 فرصة لإدراج تقنين المسار المهني ضمن الأولويات الدائمة للحوار الاجتماعي المؤسستي، باعتباره أحد أهم أوراش الحكامة الاجتماعية داخل المقاولة المغربية؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين لن تتوقف على نتائج الانتخابات المهنية في حد ذاتها، وإنما على مدى قدرة مختلف الفاعلين الاجتماعيين على الارتقاء بالحوار الاجتماعي من تدبير المطالب الآنية إلى بناء الإصلاحات البنيوية، ومن منطق التفاوض حول الحقوق المكتسبة إلى منطق التوافق حول القواعد المؤطرة للمسار المهني. فذلك، في نهاية المطاف، هو المدخل الحقيقي لترسيخ الاستقرار المهني، وتعزيز الثقة داخل المقاولة، وضمان مسارات مهنية أكثر عدالة وشفافية، تنعكس آثارها الإيجابية على الأجير خلال حياته المهنية، وتمتد إلى مرحلة تقاعده.