الصمت الاجتماعي داخل المقاولة… هل هو استقرار حقيقي أم احتقان مؤجل؟

بقلم: ذ محمد المعاشي

في مرحلة تتسم بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، وبارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية، وتنامي انتظارات الأجراء والشباب على حد سواء، يبدو المشهد الاجتماعي داخل عدد من المقاولات أكثر هدوء مما كان عليه خلال سنوات مضت، فلا احتجاجات واسعة، ولا نزاعات جماعية متكررة، ولا مظاهر توتر اجتماعي تعكس، في ظاهرها، حجم التحولات التي يعيشها المجتمع.

غير أن هذا الهدوء، الذي قد يبدو مطمئناً للوهلة الأولى، يطرح سؤالاً جوهريا: هل يعكس فعلا استقرارا داخل المقاولة، أم أنه نتيجة قراءة غير مكتملة لمؤشرات المناخ الاجتماعي؟

إن الخطأ لا يكمن في وجود الهدوء الاجتماعي في حد ذاته، وإنما قد يكمن في سوء قراءته، حيث غياب الإضرابات أو انخفاض عدد النزاعات الجماعية لا يعني، بالضرورة، اختفاء أسباب التذمر أو تحسن المناخ الاجتماعي، فالصمت، في العلاقات المهنية، قد يكون تعبيرا عن الرضا، لكنه قد يكون أيضا نتيجة تغير أساليب التعبير، أو تراجع الثقة في جدوى الاحتجاج، أو انتظار ظرف أكثر ملاءمة لإعادة طرح المطالب.

لقد عرف المشهد النقابي خلال السنوات الأخيرة تحولات أثرت في دينامية الفعل النقابي، سواء بفعل السياقات السياسية، أو المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، أو التحولات التي عرفها عالم الشغل نفسه، ومهما تكن القراءة التي يمكن أن تعطى لهذه التحولات، فإن الحكمة تقتضي ألا تبني المقاولة سياساتها الاجتماعية على مجرد هدوء الظاهر، لأن المؤشرات التي كانت، في الماضي، كافية للحكم على المناخ الاجتماعي، لم تعد وحدها تعكس حقيقة ما يجري داخل بيئة العمل.

ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل بال المشغل، كما يشغل إدارة الموارد البشرية، لم يعد هو: لماذا لا يحتج الأجراء؟ وإنما أصبح: هل اختفت فعلا الأسباب التي كانت تدفعهم إلى الاحتجاج؟

لقد علمتنا الممارسة العملية في تدبير العلاقات المهنية أن النزاعات الاجتماعية الكبرى لا تبدأ يوم الإعلان عن الإضراب، وإنما تبدأ يوم تتوقف المقاولة عن الإنصات إلى المؤشرات الصغيرة التي كانت تنذر بوجود خلل في مناخها الاجتماعي، لأنه عندما يصبح الحوار مجرد مناسبة موسمية، والتكوين بندا قابلا للتقليص كلما اشتدت الضغوط المالية، والمسار المهني ملفا مؤجلا، فإن الهدوء الظاهر قد يخفي أسئلة لم تجد بعد من يصغي إليها.

ومن هنا، فإن مسؤولية إدارة الموارد البشرية لم تعد تقتصر على تدبير النزاعات بعد وقوعها، وإنما أصبحت تقتضي قراءة مؤشرات المناخ الاجتماعي في مراحلها الأولى، تماماكما تحرص المقاولة على قراءة مؤشراتها الاقتصادية والمالية قبل اتخاذ قراراتها الاستراتيجية، لكون المؤسسة التي تنتظر ظهور الأزمة لتتحرك، تكون قد فقدت، في الغالب، أهم فرصة لمعالجتها بأقل كلفة.

إن تراجع المبادرة، وضعف الشعور بالانتماء، وتزايد الإحساس بانسداد الآفاق المهنية، وتكرار الشكايات الفردية حول مواضيع متشابهة، وضعف الإقبال على التكوين، ليست مجرد وقائع معزولة، وإنما قد تشكل، عند قراءتها مجتمعة، مؤشرات تستدعي الانتباه قبل أن تتحول إلى حالة من الاحتقان يصعب احتواؤها.

ومن هنا، فإن أول من يفترض فيه أن يكتشف أن الصمت ليس رضا هو مدير الموارد البشرية، باعتباره المسؤول عن قراءة التحولات التي يعرفها المناخ الاجتماعي داخل المقاولة. غير أن مسؤوليته، مهما بلغت، لا يمكن أن تؤتي ثمارها إذا لم تجد صداها لدى المشغل، وإذا لم تتكامل مع الدور الذي تضطلع به مؤسسات تمثيل الأجراء، باعتبارها الأقرب إلى نبض الحياة اليومية داخل المؤسسة.

ذلك أن الحكامة الاجتماعية الرشيدة لا تقوم على رد الفعل، وإنما على القدرة على التقاط الإشارات الهادئة قبل أن تتحول إلى أصوات مرتفعة، حيث الاحتقان، في كثير من الأحيان، لا يولد فجأة، بل يتشكل تدريجيا، ويبدأ من تفاصيل صغيرة لا تسترعي الانتباه، قبل أن تتحول، مع مرور الوقت، إلى مطالب يصعب احتواؤها أو تأجيلها.

وإذا كانت القراءة السليمة للمناخ الاجتماعي تبدأ برصد المؤشرات المبكرة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من يملك، داخل المقاولة، القدرة على التقاط هذه المؤشرات قبل أن تتحول إلى نزاعات معلنة؟

لقد أفرزت الممارسة العملية للعلاقات المهنية حقيقة تستحق التأمل، وهي أن أقرب الجهات إلى قياس نبض المناخ الاجتماعي ليست التقارير الإدارية، ولا المؤشرات الرقمية، وإنما مؤسسات تمثيل الأجراء، سواء تعلق الأمر بمندوبي الأجراء أو بالممثلين النقابيين، لكن هذه المؤسسات، بحكم احتكاكها اليومي بالأجراء واستقبالها لانشغالاتهم المهنية والاجتماعية، تشكل في كثير من الأحيان أول من يلتقط بوادر التذمر، وأول من يدرك أن الصمت الظاهر لا يعكس بالضرورة حالة من الرضا.

ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار لهذه المؤسسات لا ينبغي أن تفهم باعتبارها استجابة لمقتضيات قانونية فحسب، وإنما باعتبارها جزءا من منظومة الحكامة الاجتماعية داخل المقاولة.، فالمشرع، عندما أحدث مؤسسة مندوب الأجراء، لم يقصد أن تكون مجرد قناة لنقل الشكايات بعد وقوعها، وإنما أراد لها، في حدود الاختصاصات التي أسندها إليها، أن تكون آلية لتقريب وجهات النظر، والإسهام في معالجة الانشغالات الفردية قبل أن تتفاقم.

وهنا يثور سؤال مهني مشروع: إذا كان من اختصاص مندوب الأجراء التدخل لدى المشغل للمساهمة في تسوية نزاعات الشغل الفردية، فلماذا لا تتحول هذه الآلية، في الممارسة العملية، إلى وسيلة لرصد أسباب النزاع في بدايتها، قبل أن تتكرر، وتتسع، وتتحول إلى مطالب جماعية؟

إن كثيرا من النزاعات الجماعية لم تبدأ، في الأصل، كنزاعات جماعية، وإنما كانت عبارة عن انشغالات فردية متكررة، تمس التقييم، أو الترقية، أو ظروف العمل، أو توزيع فرص التكوين، أو الإحساس بعدم المساواة في المعاملة، وعندما لا تجد هذه الانشغالات معالجة مؤسساتية في الوقت المناسب، فإنها لا تختفي، بل تتراكم، وتنتقل تدريجيا من الإحساس الفردي إلى الشعور الجماعي.

ومن هذا المنطلق، فإن الوظيفة الحقيقية لممثلي الأجراء لا ينبغي أن تختزل في مواكبة النزاع بعد ظهوره، وإنما تمتد إلى الإسهام في الوقاية منه، فحسن تدبير النزاع الفردي ليس مجرد تطبيق لمقتضيات مدونة الشغل، بل يمثل أحد أهم أدوات الوقاية من النزاعات الجماعية، ويشكل في الوقت ذاته اختبارا حقيقيا لمدى نجاعة منظومة الحوار الاجتماعي داخل المقاولة.

 

غير أن قراءة هذه المؤشرات المناخ الاجتماعي والتفاعل معها لا يمكن أن يكونا مسؤولية طرف واحد، بل هما ثمرة تكامل الأدوار بين المشغل، وإدارة الموارد البشرية، وممثلي الأجراء، على أساس أن المشغل، باعتباره صاحب القرار، يضطلع بمسؤولية إرساء ثقافة مؤسساتية تجعل من الإنصات والحوار والوقاية جزءا من تدبير المقاولة، أما إدارة الموارد البشرية تضطلع برصد مؤشرات المناخ الاجتماعي وتحليلها واستشراف آثارها، واقتراح التدابير الكفيلة بمعالجة أسبابها، غير أن ممثلو الأجراء، سواء تعلق الأمر بمندوبي الأجراء أو بالممثلين النقابيين، فيشكلون بحكم قربهم من واقع الشغيلة قناة أساسية لنقل الانشغالات المهنية والاجتماعية في مراحلها الأولى.

وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتحول مؤشرات المناخ الاجتماعي إلى أداة للتشخيص المبكر واتخاذ القرار، بدل أن تبقى مجرد شكايات أو ملفات إدارية لا تسترعي الانتباه إلا بعد أن تتخذ الأزمة أبعاد يصعب احتواؤها.

إن تجاهل مؤشرات المناخ الاجتماعي لا يعني غيابها، تماما كما أن تجاهل المؤشرات المالية لا يلغي آثارها على المقاولة، والفرق بينهما أن الخلل المالي يظهر سريعا في الحسابات، بينما قد يظل الخلل الاجتماعي كامنا إلى أن يجد الظرف المناسب للتعبير عن نفسه.

وكما تعتمد المقاولة على مؤشرات مالية لاتخاذ قراراتها الاقتصادية، فإنها مطالبة، بالقدر نفسه، بقراءة مؤشرات المناخ الاجتماعي التي تعكسها مؤسسات تمثيل الأجراء، لأنها تمثل، في كثير من الأحيان، أول جهاز إنذار يعلن عن اختلال بدأ يتشكل داخل بيئة العمل. فالتوازن المالي للمقاولة لا يكفي، وحده، لضمان استدامتها، إذا لم يواكبه توازن اجتماعي يقوم على الثقة والإنصاف والحوار.

ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الاستثمار في التكوين، أو في تقنين المسار المهني، أو في مراجعة سياسات الأجور، باعتباره استجابة لضغط نقابي أو مطلب ظرفي، وإنما باعتباره استثماراً في استقرار المقاولة نفسها. فالأجير الذي يرى مستقبله المهني واضحاً، ويشعر بأن كفاءته محل تقدير، وأن فرص التطور متاحة وفق معايير موضوعية، يكون أكثر ارتباطاً بمؤسسته، وأكثر استعداداً للإسهام في تحقيق أهدافها.

ومع اقتراب الانتخابات المهنية، من الطبيعي أن تستعيد القضايا الاجتماعية حضورها في الخطاب النقابي، وأن تسعى مختلف التنظيمات إلى إقناع الأجراء ببرامجها ورؤيتها، في إطار التنافس المشروع الذي يميز هذه الاستحقاقات. غير أن المقاولة الحكيمة لا ينبغي أن تجعل من هذا الظرف منطلقالمعالجة اختلالات كان من الممكن تداركها في وقت مبكر، لأن المطالب التي تجد صداها خلال الانتخابات ليست بالضرورة مطالب ولدت معها، وإنما قد تكون امتدادا لانشغالات ظلت قائمة ولم تجد المعالجة الكافية في حينها.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في المحافظة على هدوء اجتماعي ظرفي، ولا في تدبير مرحلة انتخابية بأقل قدر من التوتر، وإنما في بناء سلم اجتماعي مستدام، سلم لا يقوم على غياب الاحتجاج، وإنما على معالجة أسبابه قبل أن تتحول إلى نزاعات، إنه سلم يقوم على الثقة، والإنصاف، والحوار المنتظم، ووضوح المسار المهني، والاستثمار في التكوين، وتطوير سياسات الموارد البشرية بما يواكب التحولات التي يعرفها عالم الشغل.

لقد آن الأوان لأن تنتقل إدارة الموارد البشرية من منطق تدبير النزاعات إلى منطق استباقها، ومن معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ومن الاكتفاء بقياس المؤشرات المالية إلى إيلاء مؤشرات المناخ الاجتماعي المكانة التي تستحقها في صناعة القرار، لأنالتحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في إدارة الأزمات بعد وقوعها، وإنما في بناء منظومة قادرة على قراءة الإشارات المبكرة وتحويلها إلى قرارات وقائية.

ولعل أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي مقاولة هو أن تعتبر الصمت الاجتماعي دليلا كافيا على الرضا. فالصمت قد يخفي انشغالات لم تجد من يصغي إليها، وقد يؤجل التعبير عن مطالب لم تفقد مشروعيتها، أما الحكامة الاجتماعية الرشيدة، فلا تنتظر ظهور الأزمة حتى تتحرك، بل تعتبر كل مؤشر اجتماعي فرصة للإصلاح، وكل حوار فرصة لتعزيز الثقة، وكل انشغال فردي فرصة لمنع نزاع جماعي.

وفي نهاية المطاف، لا تقاس جودة تدبير الموارد البشرية بعدد السنوات التي مرت دون إضراب، وإنما بقدرة المقاولة على أن تجعل من الوقاية نهجا، ومن الحوار ثقافة، ومن الثقة أساسا لسلم اجتماعي مستدام لا يتغير بتغير الظروف أو السياقات.

باحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية

مستشار اجتماعي وقانوني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.