الرئيسية » دولي » افتحوا مظلات أمريكا!

افتحوا مظلات أمريكا!

عزالدين سعيد الأصبحي (*)

لا يمكن لك في هذا المكان القصي من الكون إلا أن تتابع ما يجري في أمريكا؛ لأن آثارها تصل إليك وتعنيك بشكل مباشر، والعواصف التى تجتاح أروقة البيت الأبيض تسقط آثارها علينا أكثر من سكان الولايات المتحدة. فعالم القطب الواحد المسيطر جعل ما يجرى فى واشنطن شأنا عالميا وليس فقط أمريكيا حتى تغدو تلك النكتة مقبولة، وهى أن انتخاب الرئيس الأمريكى حق للناس فى مختلف الدول وليس حكرًا على الأمريكيين، كونه آثار ما يتخذ هناك من سياسات يمسنا أكثر منهم ولهذا فأجندة المرشح الأمريكي تشمل مواقفه ورؤيته وسياساته تجاه الصين وروسيا والشرق الأوسط والأدنى وكل أنواع الشرق!

وحتى تتبدل قوى السيطرة على العالم سيبقى ارتداد القرارات فى واشنطن متحكمًا في مجمل خطوات هذه المنطقة، وليس مزحة القول إن المطر إذا سقط في واشنطن فعلى سياسيي الشرق الأوسط أن يفتحوا مظلاتهم!. وجزء من ذلك الرذاذ ما أصابنا من خطاب الإدارة الأمريكية الأخير حول الشرق الاوسط، والقضية اليمنية التى أعطيت أولوية فى الخارجية الأمريكية إلى درجة تسمية الدبلوماسى تيموثى ليندركينغ مبعوثا خاصا لليمن، وان يكون للإدارة الأمريكية مبعوث خاص لليمن فدليل اهتمام عال بملف صار يمثل صداعا للكثيرين ولكنه مؤشر لطول المشكلة وليس لقرب الحل من وجهة نظري، حيث تبدأ مرحلة صراع سحب أوراق اللعب من دوائرها الإقليمية والوطنية إلى دوائر دولية وإقليمية أخري.

ولن يكون فى الملف خروج لاعبين ولكن ربما إضافة آخرين وذلك مدعاة للقلق رغم انه قد يكون احيانا فرصة لفتح نافذة الأمل بحل سريع، ولكن (قد) هذه كما يقول العرب تجىء للتقليل. وهذا الأسبوع أعلنت الخارجية الأمريكية خطة نية تراجعها عن تصنيف الحوثى جماعة ارهابية وذلك من وجهة نظرى ليس له علاقة بتغيير سلوك الميليشيا القابضة على صنعاء ولا هو أيضا تغير فى نظرة الإدارة الأمريكية لسلوك ميليشيا الحوثى الذى تراه الإدارة الأمريكية انه مستنكر وإجرامي.

الأمر يعود إلى ضغط منظمات دولية وجماعات ضغط ذات صراع منافع، فخطوة تصنيف الحوثى جماعة إرهابية ليس له قيمة إذا لم تتم متابعته بإرادة دولية تبدأ من وزارة المال فى واشنطن ولا تنتهى بسلسلة من الملاحقات القضائية وخطوات تنفيذية على الأرض، ودون ذلك تبقى قرارات التصنيف السياسى غير المعزز بالإرادة الفاعلة على الأرض وعدم وصول الأثر المباشر القوى الذى يجب أن يصيب الدائرة الضيقة لقادة الميليشيا فإنه يبقى ليس له معنى كون القيادة المنزوية فى كهوف اليمن لا تتأثر مباشرة بالضغوط المعنوية او حتى الدبلوماسية لأنها تحتاج إلى الشعور بالضرر الشخصى المباشر. فمنع أشخاص من فرص تحويل الأموال بأسمائهم الشخصية وتداول الحسابات وهم ليس لهم حسابات بنكية اصلا بأسمائهم الشخصية بل يؤمنون بطرق العصابات عبر النهب والسلب لا يترك الأمر أثرا لديهم. فمثلا ان شخصا مثل عبد الملك الحوثى قائد الميليشيا فى صعدة لم يركب طائرة يوما ولا يعرف معنى إجراءات السفر حتى يتم تهديده بها، وهذا إذا كان لديه جواز سفر من اصله (وحسب بعض المعلومات المسربة) ان الرجل بالفعل قد يكون عرف السفر يوما عبر هروب ماكر إلى إيران حيث لا صورة له فعلية باليمن من فترة ولا لقاء مباشر مع اى شخص لا مبعوث دولى ولا قياداته، فكل اللقاءات افتراضية وخطب عبر الفيديو (وبالتالى إذا صحت رواية هروبه من اليمن فستكون المرة الأولى التى ركب فيها طائرة ولكن لم ير مطارا ولا إجراءات سفر).

وعلينا أن نقارن ذلك بشخص ايمن الظواهرى فى كهوف أفغانستان تماما حيث لا ظهور ولا معلومة عن مكان ولا وثيقة فى نظام تداول إلكتروني، لهذا تهديد البنوك للظواهرى بعدم التعامل معه بنكيا تشبه ما يجرى لعبد الملك الحوثى فى صنعاء، و علينا أن ندرك إن ما يحدث فى واشنطن من قرارات يصب أساسا فى جوهر الصراع بين أجنحة الحكم وما يصل إلينا هو غبار المعارك، فإدارة بايدن تزيل فخاخ إدارة ترامب او بشكل دقيق فخاخ مايك بومبيو وزير خارجية ترامب الأكثر قدرة ومكرا من ترامب، حيث ترك بومبيو وزارة الخارجية الأمريكية حتى آخر لحظة دون أن تصيبه لعنة ملاحقة ترامب ولا غضب محبيه وجنب نفسه ملاحقة خصوم ترامب ونجا بنفسه تماما ليكون مشروعا منتظرا بعد عامين من الآن منقذا للحزب الجمهورى ومرشحا فاعلا فى السباق القادم. وحتى الآن يمكن تصنيف خطوات الرجل بأنها الاذكى بين كل فريق النسور التابع لترامب فالرجل الضخم تحرك بخفة النحلة فى حلبة الصراع ونجا من لكمات صديقه ترامب وركلات معارضيه معا, وعلى طريق خروجه من الخارجية الأمريكية رمى الألغام فى طريق إدارة بايدن ومنها قرارات تصنيف كوبا أو جماعة الحوثى او الصين او روسيا أو مفاوضات إيران. لذا ما يجرى من تخبط فى إدارة واشنطن أمر طبيعى سيأخذ وقته حتى تستعيد الإدارة قدراتها فى بناء رؤية متماسكة أخري، وسنجد التخبط يذهب يسارا ويمينا بحدة اكبر مع الأشهر الأولى لكل الوجوه العائدة للمشهد السياسى لأنها تريد ان تحدث أثرا سريعا أو تتجنب فخا قائما فيحدث هذا الارتباك الذى نراه من إظهار الحرص على السلام وعودة خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان وبنفس الوقت التمسك بالدفاع عن الأنظمة الحليفة ذات العلاقة الإستراتيجية الدائمة مع أمريكا.

وهنا يصبح على كل صانع قرار على الأرض من دول وقوى هو ثباتها على الأرض وإصلاح بنيتها و إعادة النظر فى علاقاتها مع الحلفاء فى دائرتها الصغيرة سواء على مستوى البلد او المنطقة فذلك الثبات والاستقرار فى مؤسسات الواقع الملموس يحدد بوصلة العلاقات الدولية التى هى فى الأساس مصالح جارفة لكل أشكال القيم، ولكن تأدب مدرسينا فى قاعات الجامعة يطلقون عليها علاقات دولية.

عزالدين سعيد الأصبحي :سفير الجمهورية اليمنية بالمغرب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *