النجاعة المائية في ضوء استراتيجية تدبير ندرة الماء وضمان الأمن المائي للمغاربة
المستشار البرلماني المصطفى الدحماني
بمناسبة مناقشة السؤال الشفوي لبرلمانيي مجموعة العدالة الاجتماعية بمجلس المستشارين والموجه إلى السيد وزير التجهيز والماء في موضوع يتعلق بمحطات تحلية مياه البحر واعتماد تكنولوجيات منخفضة التكلفة في هذا المجال، ونطاق استعمال المياه المعالجة وإعادة استعمالها، وخريطة المياه الجوفية المتوفرة بالمغرب، تم طرح مفهوم مركزي للسياسة المائية المستقبلية للمملكة، ويتعلق الأمر بمفهوم النجاعة المائية، وهو المفهوم الذي سبق إثارته في دراسة سابقة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، لكنه ظل حبيس الرفوف ولم يدخل إلى فضاء النقاش العمومي على غرار ما تم تحقيقه بخصوص مفهوم النجاعة الطاقية الذي صار مفهوما مركزيا في منظومة التدبير العمومي ومعيارا أساسيا للمشاريع العمومية ومن الشروط المحتمل إدماجها في المشروع الجديد لتنظيم الصفقات العمومية.
وفي هذا السياق تم التأكيد على استفادة قطاع الماء من عناية ملكية خاصة، من خلال تخصيص جلالة الملك عدة جلسات عمل خاصة بموضوع الماء أعطى خلالها توجيهات لكافة الأطراف المتدخلة، وهي الأهمية التي تندرج في إطار استمرارية العناية الملكية بالسياسة المائية التي كانت التصورات النيرة للمغفور له الحسن الثاني أساس بناءها، فقد أطلق سياسة السدود في زمن مبكر، وما تزال مصدر أمان مائي لبلادنا.
لكن السنوات الأخيرة عرفت تزايدا كبيرا على الطلب المائي وخاصة بعد الجهود المبذولة لتوسيع الفلاحية التصديرية، وتوسع المساحات الخضراء في المدن وغيرها من الأنشطة المستهلكة للماء المصاحبة لتحسن مستوى المعيشة وتطور نمط عيش المغاربة، في مقابل استمرار الطابع البنيوي للجفاف في جل جهات المغرب. وهو ما أثر بشكل سلبي على مؤشر المعدل الوطني للماء للفرد الذي تراجع بشكل خطير.
ويجد مفهوم النجاعة المائية جدواه السياسية والتدبيرية في طبيعة المناخ المغربي المطبوع بالجفاف البنيوي وفي التراجع المهول لمعدلات الماء للفرد، والارتفاع المقلق للاستهلاك من سنة إلى أخرى، كما يجد هذا المفهوم أساسه القانوني في الضمانة الدستورية للحق في الماء للجميع.
فمهوم النجاعة المائية يقتضي سن سياسة لضبط الاستهلاك المائي وترشيده وسياسة لتعزيز إنتاج الماء وحسن توزيعه، عبر برامج تركز على ضبط الاستهلاك وترشيده عبر مراقبة دقيقة لاستهلاك القطاعات الفلاحية بالخصوص وتقييد انتاج المنتوجات المهلكة للمياه، مع ما يفرضه ذلك من وضع إطار قانوني يلزم المستعملين بإنجاز دراسات على الأثر البيئي والمائي لمشاريع الاستثمار الفلاحي، وضبط الاستعمالات الحضرية للمياه ومنع استعمال المياه الصالحة للشرب في سقي الحدائق وغيرها. كما يقتضي تكريس هذا المفهوم إلزام المدن بإنشاء تجهيزات لتعبئة مياه الامطار للاستعمالات الحضرية وخاصة السقي، فمياه الامطار التي تغرق فيها بعض المدن الساحلية تضيع مباشرة في البحر، ويمكن الاستفادة هنا من تقنيات طورها المغاربة تاريخيا لتعبئة مياه الامطار كالمسقاة والمطفيات.
ويقتضي الأمر كذلك التعجيل بإنجاز قنوات ربط الاحواض المائية الوطنية لضمان تدبير فعال للفائض في بعض الاحواض، وإيجاد اليات بديلة لتغذية السدود التي تقع في مناطق جفاف دائم مثل سد عبد المومن وسد الحسن الداخل مثلا.
والمفهوم يقتضي كذلك انخراط الجامعة والمجتمع العلمي المغربي من خلال تطوير برامج البحث العلمي المتعلقة بتكنولوجيات تحلية مياه البحر والمياه الاجاجة قصد تقليص تكلفتها ورفع مردودية المحطات، قصد تعميمها على المدن المغربية الكبرى، وكذا الاستمرار في المجهود الوطني لتعميم محطات معالجة المياه العادمة وتطوير استخدام هذه المياه في سقي المساحات الخضراء بالحواضر، بالإضافة إلى تعميم خرائط الفرشاة المائية الباطنية وخاصة المياه الجوفية والخزانات الجيولوجية، وتيسير سبل استغلالها.
هذا التوجه الضروري لضمان الأمن المائي يفرض كذلك تفعيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بتقييم السياسات العمومية والمبادئ المنصوص عليها في القانون التنظيمي للمالية لإنجاز تقييم مالي عميق للاستثمارات الموجه نحو المنشئات المائية (سدود ومحطات تحلية …) لضمان أفضل مردود مائي للاستثمار العمومي، والقيام بدراسات جدوى لتقييم نقل جزء من الاستثمارات المخصصة للسدود لتمويل محطات جديدة لتحلية مياه البحر، أو المياه الأجاجة المتوفرة في بعض الفرش الباطنية.
وكما تتضمن النجاعة الطاقية آليات للتربية على ترشيد استعمال الطاقة، يقتضي مفهوم النجاعة المائية انخراطا واسعا للمنظومة التربوية قصد تعزيز برامج التربية على ترشيد استعمال المياه، وتكثيف البرامج التواصلية المتعلقة به.
فالمغرب بدل منذ سنوات مجهودات كبيرة على مستوى تعبئة الموارد المائية، ولم يوازيها نفس المجهود على مستوى ترشيد الاستهلاك الذي ينمو بوثيرة متسارعة، مما اضطر المملكة إلى توسيع مجال اللجوء إلى المياه غير الاعتيادية كتحلية مياه البحر والمياه الاجاجة والتي كانت تقتصر على مدن الصحراء مثل العيون والداخلة وطانطان وصارت اليوم ضرورة ملحة لمدن اكادير والحسيمة وفي المستقبل الموعود لمدن البيضاء واسفي ووجدة حيث تعتزم وزارة التجهيز والماء إطلاق دراسة لإنجاز محطة تحلية مياه المتوسط لفائجة الجهة الشرقية.
على مستوى المياه الجوفية كذلك، صارت عملية التخريط الجيولوجي والهيدرولوجي مسألة حيوية تقتضي التسريع بورش الأطلس الهيدرولوجي الوطني وتفصيل الدراسات المتعلقة بما يزيد عن 130 فرشة مائية وضمان تدبيرها المعلوماتي وفق عقود برامج الفرشاة الباطنية الخاصة بكل فرشة.
العوز المائي يقتضي كذلك تفعيل المقتضيات الواردة في قانون الماء والمتعلقة حماية وتثمين مياه الصرف الصحي باعتبارها ملكا عموميا مائيا يتعين تدبيره بنجاعة حيث يمكن تعبئة 100 مليون متر مكعب لسقي المساحات الخضراء والاستعمالات الصناعية.
إن الوضعية المائية للمملكة تفرض تبني سياسة عمومية حقيقية يتم بموجبها ضمان نجاعة استعمال أي لتر من الماء، ويمكن للحكومة في هذا الصدد التقدم للبرلمان بقانون إطار يحصن السياسة المائية من تذبذبات التغييرات الحكومية ويضمن انخراط الجميع في رؤية مستقبلية ضامنة للأمن المائي للمملكة.
* منسق مجموعة العدالة الاجتماعية بمجلس المستشارين
التيارموقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة







