الرئيسية » مقالات الرأي » الخبرة لا تتقاعد: عندما تتحول الذاكرة المهنية إلى رأسمال للمستقبل

الخبرة لا تتقاعد: عندما تتحول الذاكرة المهنية إلى رأسمال للمستقبل

✍️ ذ. المعاشي محمد (…)

في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتتجدد فيه أنماط العمل والتدبير، يبرز سؤال جوهري يتعلق بمصير الخبرة المهنية المتراكمة داخل المؤسسات بعد إحالة أصحابها على التقاعد: هل تنتهي هذه الخبرة بانتهاء العلاقة الوظيفية، أم يمكن تحويلها إلى رصيد استراتيجي يساهم في بناء المستقبل؟

هذا السؤال وجد صداه خلال اللقاء الأول لمبادرة “Senior Academy” التي أطلقها القرض الفلاحي للمغرب يوم 3 يونيو 2026 تحت شعار: “جسر بين الأجيال ورافعة للالتزام المجتمعي”، في خطوة تعكس وعيا متزايدا بأهمية المحافظة على الذاكرة المهنية للمؤسسات وتثمين الرأسمال البشري بعد التقاعد.

وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي يعرفها عالم الشغل، حيث أصبحت الخبرة والمعرفة المتراكمة تشكلان أحد أهم الموارد غير المادية للمؤسسات، فالمؤسسة لا تختزل في بناياتها أو تجهيزاتها أو مؤشرات أدائها المالي فقط، بل تتجسد أيضا في التجارب والخبرات والقيم المهنية التي راكمها نساؤها ورجالها عبر السنوات.

وقد شكل اللقاء مناسبة لاستحضار هذا البعد، من خلال ورشة حملت عنوان “إرثي في القرض الفلاحي للمغرب”، ناقش خلالها المشاركون ثلاثة محاور أساسية: ما ينبغي الحفاظ عليه، وما ينبغي تطويره، وما يستوجب الجرأة لتغييره أو تجديده.

وأظهرت النقاشات التي شهدتها الورشة أن هناك وعيا جماعيا متناميا بأن الخبرة المتراكمة لا ينبغي أن تُختزل في مجرد ذاكرة للماضي، بل يمكن أن تتحول إلى أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. فالعديد من التحديات التي تواجه المؤسسات اليوم سبق لأجيال سابقة أن واجهت نماذج مشابهة لها، وهو ما يجعل من نقل المعرفة وتقاسم التجارب آلية مهمة لتقوية قدرات المؤسسات على التكيف والاستمرار.

كما أتاح اللقاء فرصة لاستعادة محطات مختلفة من تاريخ المؤسسة، من خلال شهادات وتجارب مهنية عكست حجم التحولات التي عرفها القرض الفلاحي للمغرب عبر العقود، سواء على مستوى التنظيم أو الحكامة أو الرقمنة أو الخدمات. ولم يكن استحضار الماضي في هذا السياق مجرد ممارسة للحنين، بل شكل مناسبة للتأمل في مسار مؤسسة استطاعت مواكبة التحولات مع الحفاظ على جزء مهم من هويتها وقيمها.

ومن بين أبرز الرسائل التي حملها هذا اللقاء أن التقاعد لم يعد يُنظر إليه باعتباره نهاية للعطاء أو انقطاعا نهائيا عن الحياة المهنية، بل أصبح مرحلة جديدة يمكن أن تستمر خلالها المساهمة بأشكال مختلفة، سواء عبر نقل الخبرة أو المواكبة أو التأطير أو المشاركة في المبادرات ذات البعد المعرفي والمؤسساتي.

وتبرز أهمية هذا التوجه في ظل ما تعرفه العديد من المؤسسات من تحديات مرتبطة بتجديد الأجيال وانتقال المعرفة. فخروج أعداد مهمة من الأطر إلى التقاعد قد يؤدي، في غياب آليات مناسبة للتوثيق والنقل، إلى فقدان جزء من الرصيد المعرفي والخبرة المتراكمة. ومن هنا تكتسب المبادرات الرامية إلى ربط جسور التواصل بين الأجيال أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها الاجتماعي أو الرمزي.

وفي هذا الإطار، حمل الحضور الشخصي لرئيس القرض الفلاحي للمغرب، السيد محمد فيكرات، ومشاركته في أشغال اللقاء، دلالات مؤسساتية وإنسانية مهمة، تعكس حرص المؤسسة على ترسيخ ثقافة الاعتراف والوفاء تجاه أطرها ومستخدميها بعد التقاعد. كما أكدت الرسائل التي تضمنتها كلمته أن المبادرة ليست مجرد نشاط ظرفي، بل بداية لمسار يراد له أن يتطور ويتوسع مستقبلاً.

وتندرج ضمن هذا التوجه أيضا مجموعة من المبادرات الرامية إلى تعزيز استمرارية العلاقة بين المؤسسة ومتقاعديها، ومنها اعتماد “بطاقة المتقاعد”، باعتبارها رمزاً لاستمرار الانتماء إلى المؤسسة حتى بعد انتهاء المسار المهني. فمثل هذه المبادرات، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل رسائل قوية مفادها أن العلاقة بين المؤسسة وأطرها لا تنتهي بانتهاء الوظيفة، بل تستمر في إطار جديد يقوم على الاعتراف والتقدير والاستفادة المتبادلة.

ولعل ما يميز التجارب المؤسساتية الناجحة عبر العالم هو قدرتها على المحافظة على ذاكرتها الجماعية وتحويلها إلى مصدر للقوة والاستمرارية. فالمؤسسات الكبرى لا تبني مستقبلها فقط عبر الاستثمار في التكنولوجيا والموارد المالية، وإنما أيضاً عبر الاستثمار في خبرة نسائها ورجالها وفي الذاكرة المهنية التي تشكل جزءاً من هويتها.

ومن هذا المنطلق، تطرح مبادرة “Senior Academy” سؤالاً يتجاوز حدود مؤسسة واحدة، ليشمل مختلف المؤسسات والإدارات المغربية: كيف يمكن تثمين الخبرة المتراكمة للمتقاعدين وتحويلها إلى قيمة مضافة لفائدة الأجيال الجديدة؟

إن الجواب عن هذا السؤال قد يشكل أحد رهانات المستقبل بالنسبة للمؤسسات الساعية إلى تعزيز استمرارية المعرفة وصيانة ذاكرتها المهنية. فالتحدي لم يعد يكمن فقط في تدبير مرحلة التقاعد، بل في كيفية جعلها مرحلة جديدة للعطاء وتقاسم التجارب ونقل المعرفة.

فالخبرة، في نهاية المطاف، لا تتقاعد. وما دام هناك من يصغي إليها ويستفيد منها، فإنها تظل قادرة على الإسهام في بناء المستقبل، تماما كما ساهمت في صناعة الماضي .

(…) كاتب وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *