الرئيسية » مقالات الرأي » نحتاج طه حسين «ديالنا»!

نحتاج طه حسين «ديالنا»!

عز الدين سعيد الأصبحى

كتبت بعض الخواطر حول المشترك الجميل بين أقطارنا العربية، وساعدنى أنه خلال ثلاثة عقود تنقل بى الحال بين مدن شتى وأرصفة عدة، وبقى زاد الصبر عندى فى دفء الشارع العربى الذى وَحٌده الحلم والهم ذاته.
وانشغلت لفترة بشكل ما، على ما يجمعنا بين ضفتى هذه الأمة، من مضيق جبل طارق إلى مضيق باب المندب.
وأخذت الأمور منحى نقاشات لم تنته بعد، لكنها تعزز لدى قناعات راسخة عن مشترك عميق أقوى من تشظ عابر، وعن سماء واحدة أكثر بهاء من أرض ملغومة بحدود مصطنعة، وبقيت لسنوات ومازلت على يقين أن الأرصفة التى تتلقفك أكثر  إدراكا لنبض قلبك من أوراق الثبوتية التى تتغير مع كل منعطف سياسي!
ولكن أردت اليوم أن أقف عند محطة استوقفتنى وأنا أقرأ عن هذا الاهتمام بالقاسم المشترك الجميل بين ضفتى الأمة.
وهى عن زيارة الدكتور طه حسين للمغرب فى يونيو 1958، بدأتُ الأمر مُعلقا على استغراب عميد الأدب العربى لكلمة لم يفهم معناها عند لقائه الملك محمد الخامس رحمه الله، وهى كلمة (ديالنا) باللهجة المغربية وتعنى حقنا، وديالكم أى حقكم، وتفسير الكلمة وطرافة الموقف احكيه فى موضع آخر، ولكن شدنى ما قرأت عن أثر الزيارة، ومواقف تلك المرحلة التى شهدت تطلع الأمة للانعتاق من الاستعمار نحو الاستقلال، دعونى أقل: ( الاستقلال الأول لهذه الأمة)، شدنى ذاك الاحتفاء الواسع شعبيا ورسميا بحضور طه حسين والاهتمام بالأدب وأهله، وكيف رتب الرجل محاضراته المدهشة فى المدن التى زارها من طنجة والرباط والدار البيضاء إلى فاس وتطوان، وكيف جعل الحديث عن الأدب العربى واللغة العربية، محور الاهتمام الذى يتجاوز مجرد شغف الشارع بالأدب واهتمام المثقفين بحركة الإبداع، إلى إعادة الاعتبار لروح الأمة فى النهوض بين الأمم.
ويصف الدكتور المؤرخ عبدالهادى التازى رحلة طه حسين للمغرب بشكل أخاذ وأسلوب أدبى جميل، شارحا كيف كان العميد يدافع عن الأدب العربى وأهمية استعادة مجد الكلمة، وكيف حظيت الزيارة باستقبال رسمى وحضور شعبى مدهش، حتى إن الملك الحسن الثانى وكان ولى العهد آنذاك، حضر مع عامة الناس محاضرة طه حسين فى جامعة الملك محمد الخامس بالرباط كلها، وحرص على التعليق على أهميتها والاحتفاء بالضيف بحضور واسع. وجاء التقدير المغربى لموقف طه حسين كتكريم، لمواقفه التى عرفت بالقوة والمؤيدة لكفاح المغرب والمطالبة بالاستقلال، وكتب عن ذلك بشجاعة.
ويذكر التازى كيف كان لموقف طه حسين أثره البالغ، حينما أقدم  الاستعمار على نفى الملك محمد الخامس وولى عهده، يوم 20 أغسطس 1953 والذى كان يصادف عيد الأضحى عند المسلمين.
وهنا سمع الناس بالمغرب أن الدكتور طه حسين أرجع الوسام الفرنسى (لا ليجيون دونور) من رتبة فارس كبير احتجاجًا على ما أقدمت عليه فرنسا تجاه المغرب وملكها.
وبالتالى كرم الملك محمد الخامس بعد سنوات الدكتور طه حسين بوسام خاص سُن للإبداع وتكريم العلم (وسام الكفاءة الفكرية)، وكان طه حسين اول من تقلده.
ولمعرفة هذا الشغف بالتواصل مع الدول العربية الأخرى بعد الاستقلال، علينا أن نذكر بقسوة الاستعمار لدول المغرب العربى عامة، وحرص المستعمر على منع أى تواصل ممكن، ويذكر عبد الهادى التازى كيف عمدت سلطات الاستعمار على تجريم التواصل مع المشرق فيقول بالنص :(لقد كان محظورًا علينا أن نتصل بالمشرق إلا عبر القنوات التى تسمح السلطات الاستعمارية بالمرور منها، وكذا فإن النشرات الواردة علينا من المشرق كانت تخضع بدورها لرقابةٍ محكمة، وحتى صُوَر قادة المشرق وزعمائه كانت تتعرض للمصادرة بل وللعقاب الصارم على امتلاكها وترويجها!. وقد وجدت نفسى ذات يوم بالسجن عام 1937م لأن الشرطة عثرت فى بيتنا على رسوم لسعد زغلول ومحمد فريد، وقاسم أمين.)
لذا كان موقف طه حسين مقدرا، وكان للزيارة اثرها البالغ فى تعزيز جسور التواصل.
وما همنى من الأمر  أكثر هو ما وصفه التازى عن مضمون المحاضرات الإبداعية وكيف كانت القاعات تغص بالحاضرين. وكيف عانى سفير مصر والمستشار الثقافى المصرى آنذاك من ضغط المثقفين وطلاب الجامعة المغاربة، الذين يريدون وقتا للنقاش مع طه حسين وسماعه، وكيف كان الشارع يمتلئ بالناس، وكيف كان للكلمة أثرها فى النفوس، وكيف كان لصاحب قلم وفكر من قدرة على مد جسور تلاحم جميل .
ربما نحن بحاجة لرد الاعتبار للفكر والكلمة أولا الآن قبل كل شيء، ليكون أصحابه نجوما مؤثرة فى سير المجتمع، وللمضى بعد ذلك بردم فجوات تمزق لا معنى له، وجعل هذه الأرصفة الممتدة آمنة تعيد بعض ألق المشترك الجميل بين ضفتى الأمة.
نحتاج لسفراء الكلمة والإبداع، أن يردموا فجوات التمزق بين هذه الأمة.
والأهم نحتاج عقولا عربية تغادر دوائر الرعب والتخلف نحو فتح آفاق العقل، نريد طه حسين آخر يكون (ديالنا) أى بلهجة أهل المغرب حقنا، وديال هذ العصر أى ابن هذه المرحلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.