نادية فضمي .. من أول رئيسة لجماعة سطات إلى قائدة للإصلاح والتغيير
في مشهد سياسي غير مسبوق، تمكنت نادية فضمي، المستشارة الجماعية عن حزب الاستقلال، من تحقيق إنجاز تاريخي بفوزها برئاسة الجماعة الترابية لسطات، لتصبح بذلك أول امرأة تتقلد هذا المنصب منذ إحداث المجلس .
هذا الحدث لم يكن مجرد تحول في القيادة، بل كان نقطة تحول في مصير المدينة التي عانت طويلاً من الجمود الإداري والأزمات المتلاحقة، لا سيما بعد عزل الرئيس السابق مصطفى الثانوي بقرار من المحكمة الإدارية بالبيضاء .
تسلمت فضمي مهامها في سياق مشحون بالتحديات، حيث كان المجلس يعيش حالة من الشلل المؤسساتي نتيجة تراكم الأزمات وسوء التدبير الذي طبع المرحلة السابقة .
غير أن هذه المرأة الاستقلالية لم تستسلم أمام تعقيدات المشهد المحلي، بل أبدت إرادة قوية وعزيمة لا تلين في إعادة ترتيب الأوراق وتصحيح المسار، من خلال تبني رؤية إصلاحية تضع مصلحة الساكنة في صلب الأولويات.
أولويات الإصلاح : إعادة الثقة وبناء أسس الحكامة الجيدة
منذ تقلدها المنصب، أدركت فضمي أن أول وأهم التحديات التي تواجهها تتمثل في استعادة ثقة المواطنين في المجلس، بعدما تزعزعت بفعل التراكمات السلبية التي أفرزتها المرحلة السابقة.
ولذلك، انطلقت في نهج أسلوب جديد يقوم على الشفافية في اتخاذ القرارات، والتواصل المستمر مع الساكنة، والحرص على وضع خطط تنموية واضحة المعالم تستجيب لحاجيات المدينة.
أحد أبرز الإصلاحات التي باشرتها كان إعادة هيكلة الإدارة الجماعية، حيث سعت إلى فرض الانضباط وتحقيق الفعالية داخل المصالح الإدارية، عبر تقوية آليات المراقبة الداخلية، وضمان احترام مساطر التدبير المالي والإداري.
كما عملت على تقليص البيروقراطية التي كانت تعيق إنجاز المشاريع، من خلال رقمنة بعض الخدمات وتقريب الإدارة من المواطنين.
تدبير الموارد المالية : سياسة تقشفية وإصلاحات جذرية
ورثت فضمي جماعة تعاني من إرث ثقيل على المستوى المالي، حيث وجدت ميزانية المجلس مثقلة بالديون والالتزامات العالقة التي لم يتم تدبيرها بالشكل المطلوب.
وهو ما دفعها إلى اعتماد مقاربة مالية جديدة قائمة على التقشف الرشيد، وترشيد النفقات العمومية، والتصدي لمظاهر التبذير التي كانت تطبع ميزانية المجلس في السابق.
كما حرصت الرئيسة على الرفع من المداخيل الذاتية للجماعة، عبر تفعيل الجبايات المحلية المستحقة وتعزيز آليات التحصيل، دون أن يكون ذلك على حساب المواطنين .
وقد ساهم هذا النهج في تحقيق توازن مالي نسبي، مكن من إعادة برمجة بعض المشاريع التي كانت مجمدة بسبب العجز المالي .
مشاريع تنموية في قلب الأولويات
إدراكًا منها لحجم الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية لساكنة سطات، انخرطت فضمي في دينامية جديدة تهدف إلى تسريع وتيرة المشاريع التنموية.
كان من بين أولوياتها العمل على تحسين البنية التحتية، حيث أطلقت مشاريع لإعادة تأهيل الطرقات الحضرية، وتقوية شبكات الصرف الصحي، وتعزيز الإنارة العمومية في مختلف أحياء المدينة، بعدما كانت تعيش على وقع تدهور واضح في هذه الخدمات.
في قطاع النقل الحضري، عملت فضمي على فتح قنوات الحوار مع الفاعلين المعنيين من أجل تحسين جودة خدمات النقل العمومي داخل المدينة، والبحث عن حلول ناجعة لمشكل الاكتظاظ الذي تعاني منه بعض الخطوط، بالإضافة إلى تحسين ظروف تنقل المواطنين.
أما على المستوى البيئي، فقد تبنت خطة لإعادة تأهيل المساحات الخضراء، وتكثيف جهود النظافة داخل المدينة، من خلال تعزيز أسطول النظافة، وإطلاق حملات توعوية لتحفيز المواطنين على المساهمة في الحفاظ على البيئة الحضرية.
تعزيز المشاركة المواطنة والانفتاح على المجتمع المدني
لم تكتف فضمي بالاشتغال على الملفات التقنية فقط، بل أولت أهمية كبيرة لتعزيز انخراط المجتمع المدني في تدبير الشأن المحلي .
فقد قامت بعقد لقاءات منتظمة مع الفاعلين الجمعويين، واستحدثت آليات تشاركية جديدة تهدف إلى إشراك المواطنين في صنع القرار المحلي، إيمانًا منها بأن نجاح أي إصلاح رهين بتفاعل الساكنة معه ودعمه.
في هذا السياق، أطلقت الرئيسة فضمي مبادرات تشاركية لتمكين الشباب من المساهمة في التنمية المحلية، من خلال إحداث فضاءات للحوار والتفاعل، ودعم المقاولات الشبابية، وتسهيل إجراءات الاستثمار داخل المدينة، بهدف تحفيز فرص الشغل والحد من البطالة التي تشكل إحدى المعضلات الرئيسية في سطات.
تحديات مستمرة وطموح لا يتوقف
رغم ما تحقق من إنجازات ملموسة، فإن طريق الإصلاح في سطات لا يزال محفوفًا بالتحديات، خاصة في ظل الإكراهات المالية والبنيوية التي تعاني منها الجماعة.
ولا تزال العديد من الملفات العالقة بحاجة إلى حلول جذرية، مثل إشكالية الإسكان غير اللائق، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير المناطق الصناعية.
غير أن المؤكد هو أن نادية فضمي قد رسخت منهجًا جديدًا في تدبير الشأن المحلي، قائمًا على النزاهة والشفافية والعمل الميداني. فبفضل إرادتها القوية ونهجها الإصلاحي، استطاعت أن تضع جماعة سطات على السكة الصحيحة، محدثة بذلك تحولًا إيجابيًا في المشهد السياسي والتنموي للمدينة.
خاتمة
في النهاية، يمكن القول إن تجربة نادية فضمي على رأس مجلس جماعة سطات تمثل نموذجًا يُحتذى به في مجال الحكامة الجيدة، حيث تمكنت في ظرف وجيز من إخراج المجلس من نفقه المسدود، ووضعه على مسار الإصلاح.
وبفضل رؤيتها الاستراتيجية، أثبتت أن القيادة النسائية قادرة على صنع الفارق، وتحقيق التغيير الإيجابي رغم كل التحديات.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستواصل فضمي مسيرتها الإصلاحية بنفس العزيمة، أم أن العراقيل السياسية والإدارية ستشكل حجر عثرة أمام طموحاتها التنموية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال .
التيارموقع مغربي إخباري شامل يتجدد على مدار الساعة







