الدار البيضاء.. “الفراشة” و”الكراريص” يحولون محيط قيسارية سباتة إلى مطرح للنفايات
في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي، يجد محيط قيسارية سباتة بمدينة الدار البيضاء نفسه أمام وضع بيئي يثير استياء الساكنة والتجار، بعدما تحولت عدد من الشوارع والأزقة المحاذية للقيسارية إلى فضاءات تنتشر فيها مخلفات الخضر والفواكه والأكياس البلاستيكية، عقب نشاط الباعة المتجولين وأصحاب العربات المجرورة خلال ساعات النهار.
ومع حلول المساء، يتغير المشهد بشكل لافت؛ فبعدما تكون المنطقة قد عرفت حركة تجارية كثيفة، تخلف بعض نقاط البيع وراءها كميات من النفايات العضوية والبلاستيكية، وسط روائح كريهة ومظاهر تسيء، بحسب شكاوى متداولة، إلى صورة المنطقة وإلى جودة العيش بالأحياء المجاورة.
وتقول ساكنة بالمنطقة إن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالاحتلال المؤقت للملك العمومي أو بالمنافسة التجارية، وإنما أصبحت، في نظرها، ذات أبعاد بيئية وصحية تستدعي تدخلاً أكثر انتظاماً.
ويشتكي السكان من انتشار بقايا الخضر والفواكه المتعفنة، والأكياس البلاستيكية، ومخلفات مختلفة، إضافة إلى الروائح المنبعثة منها، خصوصاً خلال الفترات التي تتأخر فيها عملية التنظيف.
ويقول أحد السكان، بحسب ما نقلته مصادر محلية، إن الساكنة «تدفع ثمن هذه الفوضى كل يوم»، مشيراً إلى أن الروائح تصل إلى المنازل، فيما أصبحت الحشرات والقوارض مصدر إزعاج متكرر للأسر، وهو ما يرفع، وفق تعبيره، منسوب القلق بشأن الظروف الصحية المحيطة بالمنطقة.
ولا تقتصر تداعيات الوضع على السكان، إذ يجد التجار المهيكلون داخل السوق المركزي أنفسهم بدورهم أمام إشكال مزدوج، فمن جهة، يؤكد عدد منهم أنهم يؤدون الرسوم والواجبات المرتبطة بممارسة نشاطهم ويلتزمون بالشروط المفروضة عليهم، ومن جهة أخرى يواجهون منافسة من باعة يشتغلون خارج الفضاء التجاري المهيكل.
ويعتبر أحد التجار أن استمرار هذه الوضعية يضر بصورة السوق ككل، قائلاً إن «الفوضى الخارجية تسرق الزبناء وتشوه سمعة السوق»، خصوصاً عندما يصبح محيط القيسارية مرتبطاً في أذهان المتسوقين بمظاهر الأوساخ والروائح الكريهة.
ويطرح هذا الوضع إشكالية أوسع تتجاوز قيسارية سباتة، وتتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين النشاط التجاري الذي يوفر مصدر دخل لفئات من الباعة، وبين ضرورة احترام الملك العمومي والمحافظة على نظافة المدينة وسلامة المواطنين.
فالانتقال من ممارسة التجارة في ظروف منظمة إلى احتلال الأرصفة والممرات، أو ترك المخلفات في الشارع العام، يخلق ضغطاً إضافياً على خدمات النظافة ويؤثر على حركة الراجلين والسير والجولان، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على جمالية المنطقة.
وفي المقابل، فإن معالجة الظاهرة لا تبدو مرتبطة فقط بإبعاد العربات والباعة من الشوارع، وإنما تحتاج أيضاً إلى حلول عملية تضمن تنظيم النشاط التجاري وتوفير بدائل قانونية للفئات التي تعتمد على البيع المتجول كمصدر للرزق.
وتطرح ساكنة المنطقة سؤالاً آخر يتعلق بالمراقبة خلال الفترات المسائية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الإشكال لا يظهر فقط أثناء ممارسة النشاط التجاري، وإنما بعد مغادرة الباعة للمكان، حين تبقى المخلفات في الشوارع إلى حين تدخل مصالح النظافة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار الوضع على هذا النحو قد يحول محيط قيسارية سباتة إلى نقطة سوداء بيئياً، إذا لم تتم معالجة أسباب المشكلة بشكل متكامل، من خلال تنظيم الباعة، وضبط احتلال الملك العمومي، وتعزيز المراقبة، وضمان التنظيف المنتظم.
وبدل الاقتصار على حملات ظرفية، تبدو الحاجة قائمة إلى مقاربة دائمة تجمع بين السلطات المحلية ومصالح النظافة والجهات المكلفة بتدبير الملك العمومي والمهنيين، بهدف تحديد مكامن الخلل ووضع حلول قابلة للتطبيق.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى إزالة النفايات بعد تراكمها، وإنما إلى منع إنتاجها في الشارع من الأساس، عبر تنظيم النشاط التجاري وتحديد المسؤوليات وتشديد المراقبة عند الاقتضاء.
وبالنسبة إلى سكان وتجار محيط قيسارية سباتة، فإن السؤال لم يعد فقط: من يبيع في الشارع؟ بل أصبح أيضاً: من يتحمل مسؤولية إعادة النظام والنظافة إلى هذه الشوارع بعد انتهاء الحركة التجارية؟ وهو سؤال ينتظر جواباً عملياً على الأرض، لا سيما إذا استمرت المشاهد نفسها في التكرار يوماً بعد يوم.