الرئيسية » مقالات الرأي » معركة السلام فى اليمن!

معركة السلام فى اليمن!

✍️ عز الدين سعيد الأصبحي

تعيش اليمن منعطفا جديدا فى مسار كارثة الحرب والتمرد الحوثى القائم، ويطلق البعض على ذلك بأنه حالة اللاسلم واللاحرب وهو مصطلح بحاجة إلى إعادة ضبط.

فالحرب لم تتوقف عمليا، ولكن تراجعت المواجهات العسكرية الواسعة فقط، أما الجوانب الأخرى للحرب فقائمة.
فالحرب السياسية والاعلامية والنفسية على أشدها وأبرزها تعزيز التشظى المجتمعى، وقتل الأمل لدى الناس.
ولا يزال الوضع المعيشى وحرب العملة على أشدها فتمرد ميليشيات الحوثى الذى أعلن فى سبتمبر 2014، لم يقتصر على ضرب مؤسسات الدولة الشرعية والتدمير العسكرى ولكن عمد إلى ما هو أشد من ذلك عبر :
أولا خلق حالة تشظى مجتمعى مخيف سيعانى منه اليمن لعقود حتى إذا نجحت خطوات الحوار السياسى المنتظر حسب الوسطاء .
وثانيا: هذا الانقسام الممنهج فى بناء جيل منقسم. وتقسيم  المؤسسات والعملة الوطنية،  وسيبقى التعافى من الضرر الاقتصادى بحاجة إلى وقفات ليست سهلة، ولا يجب أن تكون مجرد خطوات مرتجلة.
فهناك إفقار ممنهج يتم بشكل مفجع لكل نواحى الحياة وبناء المجتمع. والتحدى الأكبر أمامنا هو ما يجرى من ضرب أسس السلام.
فالسلام لا يعنى فقط وقف المعارك العسكرية، بل هو عملية متكاملة من إعادة الأمان المجتمعى ، وإعادة التوازن للإنسان اليمنى الذى صار فى أعماقه ألم وجرح غائر، وحالة خوف من الحاضر والقادم، وبالتالى فإن إطلاق عملية السلام أو وقف الحرب وإعادة الإعمار، تتطلب وقفتنا جميعا فى كيفية بناء البشر قبل الحجر. وتتطلب أن تكون قوة الدولة الحاملة لمشروع الوطن راجحة الكفة، قابضة على زمام المبادرة التى تعنى إنهاء حالة الاختطاف القائمة للوطن.
لدينا جيل كامل اختطف تماما فى معارك الموت، يفتح عينيه على واقع عجيب ليس فيه مدرسة أو قيم تربوية سليمة، يتشرب كل يوم خطاب الكراهية والتشظى وتغرس فى أعماقه مفاهيم الخرافة والعداء لقيم العصر، ومحاط بمجتمع مرهق نفسيا، وذاك أكبر تحدى أمام معركة البناء والسلام.
ولدينا ميليشيات تريد إعادة ضبط التاريخ وليس فقط تدمير الحاضر، والأنكى محاولتها التي  لا تتوقف لجعل اليمن منبت للتطرف.
إن معايير السلام لا تعنى فقط وقف المواجهات العسكرية وإن كانت تلك خطوة أولى ذات أهمية،  بقدر ما تعنى الاستقرار الجماعى والفردى فى المجتمع، بما فى ذلك زوال المشاعر السلبية من خوف وتوتر وانعدام الأمل.
ما جرى ويجرى فى اليمن للأسف يفوق أزمة وسيط دولى، وأكبر من مجرد وقف المواجهات العسكرية، إلى كارثة تتعمق كل يوم عبر استمرار حرب مدمرة للنفس، تعزز حالة من الإحباط الواسع والممنهج يقتات على سوء الإدارة وانعدام القدوة، ويكبر بسبب تنوع الصراعات المحلية والإقليمية والمصالح الكبرى، الحرب قائمة على ضرب كل المُثل الإيجابية وتدمير القيم ونزع الثقة من كل شيء.
نعم تدمير الروح مخيف وليس المواجهات العسكرية فقط، بل قتل الأمل وغياب المشروع الجامع للناس، أما مفردات الحرب والسلام فهى جزء من مشروع يقاتل الناس من أجله يهدف لاستعادة وطن يراد له أن يتبخر بين ميليشيات فاقدة للعقل والانتماء.
ندرك ان معظم ذلك انعكاس للحرب الطويلة القائمة، ولكن عندما تتفرغ قوى بكاملها لنشر فوضى القيم والنيل من كل المُثل الإيجابية (وترسيخ التفاهة)،  فنحن أمام معركة أخرى تتجاوز طرق حلها مجرد توافق على وقف إطلاق نار بين متحاربين، إلى قضية مجتمع بحاجة إلى صفوة تعيد الاعتبار للعقل والضمير .
نعم تلك معركة اليمنيين الكبرى بعد أن تتوقف مواجهات السلاح وهى ستتوقف حتما، حتى لو عادت المواجهات العسكرية الواسعة خلال أيام كما تلوح نذرها فى الافق الآن، بسبب فشل ما تسمى مساعى السلام، وإصرار تجار الحروب من الميليشيات على الكارثة، وعجز المجتمع الدولي.
وأساس كل ذلك حقيقة واضحة هى أن ميليشيات الحوثى بحاجة إلى إعادة إشعال جبهات القتال بسرعة، كون ذلك مصدر عيشها فهى بالسلام ستخضع لشروط لا تقوى عليها، وأولها احترام القانون وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة ووقف نهب المواطنين والكف عن امتهان كرامتهم، وهى لا يمكنها الخضوع لذلك، مثل كل ميليشيات، كما يصعب عليها أن تتحول إلى حزب سياسى، ولا يمكن لكل من كانت الحرب مصدر حياته التى يزدهر بها، أن يغدو دولة تقبل بالتنوع، والقبول بعدم احتكار السلطة والثروة.
لذا فالحرب له ضرورة وبحجة مواجهة عدوان خارجى، وهى حجة يبقيها دوما، لتبقى قبضته قابضة على أرواح الناس فى صنعاء وضواحيها.
وبالتالى حتى تعود موازين القوى لصالح قوى الدولة القادرة على فرض  السلام الحق والعادل، ستبقى دوامة هذا الدمار، وستستمر حروب ضرب أسس السلام، وأبرزها  للأسف حرب  تدمير جيل صاعد وخلق اضطراب نفسى مدمر حتما هو أسوأ من أى قصف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.